عــاجــل
قرار إسرائيلي جديد بشأن الوقود القطري المخصص لكهرباء غزة         الجهاد الإسلامي : شلح خضع لعملية جراحية مؤخراً ووضعه مستقر         غزة : أطباء فرنسيون يعيدون تفاصيل وجه “يارا” إلى طبيعته         الوفد الامني المصري يصل من جديد الى قطاع غزة لاستكمال ومتابعة وتنفيذ المصالحة الفلسطنية         الوفد المصري يبحث مع هنية استلام حكومة الوفاق مهامها في غزة         الحكومة: تنفيذ الموازنة الموحدة ودمج موظفي غزة مرتبط بالتمكين         0404 العبري: رصد اطلاق صاروخ من غزة الى اسرائيل        
33

خيبة القرن

33

بقلم:عبد الحليم قنديل

إسمعوها من فضلكم، ومن الآن، لن يقبل فلسطيني واحد، ولا عربي حقيقي، هذه الفرية التي يسمونها «صفقة القرن»، وقد وعدهم بها المليادير المهووس دونالد ترامب، وفريقه اليهودي المكلف بإعداد تسوية إسرائيلية فلسطينية، ووعدوه بالضغط على الفلسطينيين لقبولها، وهو القبول الآثم الذي لن يحدث أبدا، ولن يفلت الصهاينة العرب بجريمتهم، حتى لو كانوا يسبحون بحمد إسرائيل في أذكار الصباح والمساء.

نعم، فالأوطان ليست صفقات بيع وشراء، وفلسطين ليست سلعة في سوق، تقبل القسمة والمساومة وإعادة التسعير، وفلسطين ليست كوم لحم يستقضي منه «شيلوك» اليهودي حاجته بالكيلو والقنطار، بل فلسطين وطن تاريخي لأهله العرب الكنعانيين منذ آلاف السنين، وتحمل الخرائط اسمها الجليل الباقي على مدى الزمن، وتعرضت للغزو والاحتلال مرات، وخرجت بعد كل غزو باسمها العربي الصافي، فقد تعرضت فلسطين لغزوات الفرنجة باسم الصليب، وأقيمت على أرضها ممالك ومستوطنات للغزاة، وظلت الحروب سجالا على مدى زاد على المئتي سنة، وكانت النهاية على ما نعرف، ذهبت ممالك الغزاة إلى مزابل التاريخ، واستردت فلسطين اسمها وصفتها وأرضها، وكان الدم المقدس الذي سال على ترابها المقدس، دما عربيا جامعا، لا ينسى التاريخ أبدا صوت معاركه وجيوشه، التي خرجت أشهرها من مصر بقيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي.

ولا أحد بوسعه طمس الحقائق الكبرى، فليس في تاريخ المنطقة القديم والوسيط شيئا اسمه «دولة إسرائيل»، وإن وجدت قبائل يهودية جاءت ورحلت في الزمن السحيق، تماما كما وجد في مصر أهل النبي موسى، وبدون أن يزعم عاقل أن مصر كانت دولة يهودية، تماما كما لم تكن فلسطين الحالية في أي وقت دولة يهودية، بل كان اليهود مجرد خيط في نسيج أكثر تعقيدا وتركيبا، وظلت فلسطين كغيرها من أقطار المنطقة المعروفة الآن باسم الوطن العربي، تعاني من غزوات جاءت من الشرق والغرب، وتتوالى فيها دورات الاختلاط العرقي، إلى أن استقرت صورتها على النحو العربي، الذي ساد واستقر وتأكد عبر آلاف السنين، وإلى أن تكونت أمة العرب الجديدة بعد ظهور الإسلام ونشر دعوته، وصارت فلسطين كما مصر في قلب الأمة، وبتاريخ ثقافي واقتصادي ولغوي مشترك.

وكما لا يستساغ أن يقبل أحد باحتلال إسرائيل لمصر، بدعوى أن النبي موسى ظهر فيها كما تقول الكتب المقدسة، فليس مقبولا ولا مستساغا بالقدر نفسه، أن يجري الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وبدعاوى متهافتة ساقطة تاريخيا، من نوع إعادة ملك داود، أو افتعال أصول تنسب إلى يعقوب، الذي يعرف أيضا باسم «إسرائيل»، وقد كان اسما لفرد لا اسما لدولة.

وقد وصلت السفالة بصهاينة عرب، أن زعموا أن فلسطين لم توجد أبدا، وأن «دولة إسرائيل» هي الموجودة، التي يتوجب الاعتراف بسيادتها، وعلى نحو ما قال أخيرا كاتب ينتسب اسما إلى دولة عربية خليجية، وهذه ليست مجرد جهالة مثيرة، فهو محض صهيوني «إسرائيلي» ناطق بالعربية، والذنب فيما قاله أكبر منه، وهو ذنب الذين أتاحوا الفرصة لظهوره المستفز المتبجح، وفي دولة لا تعترف رسميا إلى الآن بأي شرعية لوجود إسرائيل، وإن كانت دوائر حكم بعينها، تستخدم هذه الترهات والتفاهات لجس نبض الشارع العربي، وتفكيك حصانة رفضه لوجود الاحتلال الإسرائيلي، تماما كما فعلوا مع صحافي إسرائيلي، سمحوا له بالدخول والتجوال في حرم المسجد النبوي الشريف، إضافة لما ينشر ويذاع يوميا، عن زيارات محبة علنية وسرية من صهاينة عرب لدولة الاحتلال، وهي كلها ألعاب خطرة، تودي بأصحابها إلى مستنقعات التاريخ، لكنها لن تفتح الطريق أبدا لما يأملون، ولا إلى تفكيك حصانة الرفض العربي للصهيونية، وكيانها الاستعماري الاستيطاني، مهما تقادم الزمن على سطوته واستمراره، فالحقيقة تبقى هي الحقيقة، وهي أن الكيان الإسرائيلي المصطنع إلى زوال أكيد، ربما لن تجاوز ساعته منتصف القرن الجاري، بعد مئة سنة على قيام ما يسمى «دولة إسرائيل»، أي ربما نصف المدة التي استطال فيها وجود «ممالك الفرنجة» على أرض فلسطين المقدسة، وقبل أن يجري تحرير القدس وإعادتها لفلسطين وأمتها العربية، وضمان حقوق التعبد والإقامة والحج لأتباع الديانات كلها.

وإذا كانت إسرائيل قامت بوعد بلفور قبل مئة سنة، فإنها ستنتهي بوعد تحرير القدس، وليس هذا رجما بالغيب، ولا استسلاما لخداع التفكير بالأماني، فإسرائيل كيان استعماري استيطاني، وهي صنيعة الغرب زمن صعوده وهيمنته التي استمرت قرونا، سعى فيها لإقامة إسرائيل بين ظهرانينا، وكحاجز وظيفي، يفصل مشرق العالم العربي عن مغربه، وكقاعدة عدوان متصل لإحباط أي محاولة للنهوض العربي، وككيان استيطاني إحلالي، يطرد العرب الفلسطينيين من أرضهم المقدسة، ويحل يهود الدنيا محلهم بدعوى وعود التوراة، وقد فعلوا ما بوسعهم، وأكملوا احتلال فلسطين في حرب 1967، وبدون أن يعني ذلك نهاية القصة الدامية، فرغم تفوق إسرائيل المصنوع غربيا، ورغم تمكينها من الامتياز العسكري والتكنولوجي في أعلى درجاته، ورغم الاندماج الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، فلم تستطع إسرائيل أبدا الانتصار في حرب بعد 1967، فقد هزمت في حرب الاستنزاف، وهزمت في حرب 1973، وهزمت في حرب غزو بيروت أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وهزمت وجلت عن جنوب لبنان بالقوة في عام 2000، وهو العام نفسه الذي شهدت نهاياته بواكير انتفاضة الفلسطينيين المعاصرة الثانية، التي أدت في ما أدت إلى جلاء إسرائيل من طرف واحد عن قطاع غزة، وتفكيك المستوطنات اليهودية فيها، وفي كل جولات النزال العسكري بعدها وقبلها، لم تستطع إسرائيل أبدا تحقيق نصر، لا في حرب 2006 مع حزب الله، ولا في حروب 2009 و2012 و2014 مع فصائل المقاومة في قطاع غزة، ولم تخفق إسرائيل في هذه الحروب جميعا بسبب ضعف عسكرى، فقد كان التوازن العسكري المادي يميل دائما لصالحها، وهي الوحيدة التي تملك ترسانة الرعب الذري في المنطقة، لكنها أخفقت بسبب تراجعها في «توازن الروح» مع مقاومة عربية من نوع مختلف، تقدمت من الردع بقنابل الاستشهاد البشرية، إلى توازن الردع بالصواريخ القصيرة فالمتوسطة فالبعيدة المدى، ونقل حمم النار إلى داخل العمق الإسرائيلي المفزوع.

وكانت إسرائيل تصورت أنها انتهت من صداع الحروب النظامية مع الجيوش العربية، وأنها ضمنت سلامها النهائي بعد عقد المعاهدة مع مصر، فإذا بها تواجه الخصم الأعتى، وتخشى سوء النهايات وبؤس المصائر، خاصة أنها ـ أي إسرائيل ـ تخفق في «توازن التاريخ» بعد الفشل في توازن الحروب الجديدة، وبعد عودة الجيش المصري إلى خط الحدود بعد غياب اتصل لخمسين سنة، ثم أن المشروع الصهيوني ليس سلاحا ومعارك وتكنولوجيا فحسب، بل جوهره في الاستيطان، والإحلال والطرد، والتخلص بالجملة من السكان الفلسطينيين، وهو ما لم يحدث على نحو ذي مغزى مؤثر إلا في نكبة 1948، بعدها، وإلى أواسط تسعينيات القرن العشرين، كان الكيان الاستيطاني يكسب مددا بشريا جديدا، وإلى أن جفت منابع تهجير اليهود لاستيطان فلسطين، ونضبت أو كادت مخازن اليهود المستعدين للانتقال إلى استيطان فلسطين، وعادت حركة البندول السكاني لتنتصر لفلسطين، فعدد الفلسطينيين على الأرض المقدسة الآن، يزيد على عدد اليهود المجلوبين من أربع جهات الدنيا، وعدد الفلسطينيين في الوطن والشتات، يفوق عدد اليهود في الدنيا كلها، ولم يحدث أبدا في التاريخ، أن نجح مشروع استيطان إلى النهاية، إلا أن ينجح في إبادة السكان الأصليين، وهو ما لم يحدث ولن يحدث مع الفلسطينيين، الذين يتحولون بالتدريج إلى غالبية سكانية من جديد فوق أرضهم المقدسة، بسبب الفوارق الهائلة لصالحهم في معدلات الإنجاب، فيما يعود اليهود إلى وضع الأقلية المتناقصة من جديد، وهو توازن تاريخي جديد، لن يبقى إسرائيل التي نعرفها إلى أواسط قرننا الواحد والعشرين.

وفي ميادين الصراع الشامل، حتى لو بدت المدافع ساكنة عند الحدود، وتقاطر الحكام العرب إلى تقبيل يد وقدم الصهاينة، ومهما بلغ التفريط والخذلان، فلن ينجو منهم أحد، ولن ينفعهم التعويل على صفقات واشنطن، التي يتراجع دورها في العالم وفي المنطقة، وتبدو معزولة أكثر فأكثر، مع عشوائية رئيس مهووس كدونالد ترامب، لا يفقه شيئا من التاريخ، ولا في أصول الصراعات وحقوق الأوطان، ويتصور بجهله الفادح، أن عرض حكم ذاتي موسع لسلطة عباس في الضفة وغزة، مع بقاء الجيش الإسرائيلي في أغوار نهر الأردن، وبقاء المستوطنات والقدس في يد إسرائيل، ودفع رشاوى من جيوب عرب الخليج، يمكن أن يصلح كصفقة قرن، تضمن سلاما أبديا لإسرائيل، وهذه «خيبة قرن» بامتياز، جديرة بالذهاب مع أصحابها إلى مكانها الطبيعي جدا، في أقرب مقلب زبالة.