عــاجــل
قرار إسرائيلي جديد بشأن الوقود القطري المخصص لكهرباء غزة         الجهاد الإسلامي : شلح خضع لعملية جراحية مؤخراً ووضعه مستقر         غزة : أطباء فرنسيون يعيدون تفاصيل وجه “يارا” إلى طبيعته         الوفد الامني المصري يصل من جديد الى قطاع غزة لاستكمال ومتابعة وتنفيذ المصالحة الفلسطنية         الوفد المصري يبحث مع هنية استلام حكومة الوفاق مهامها في غزة         الحكومة: تنفيذ الموازنة الموحدة ودمج موظفي غزة مرتبط بالتمكين         0404 العبري: رصد اطلاق صاروخ من غزة الى اسرائيل        
thumb

صرخة تحتاج إلى صدى..د.علي الجرباوي

يوجد تفسيران محتملان لرفض الرئيس الفلسطيني ما أصبح يُعرف بـ “صفقة القرن” التي يتم تداولها أن إدارة ترامب ستقوم بطرحها في المستقبل القريب. وقد عبّر الرئيس عن هذا الرفض عندما وصفها بـ “صفعة” القرن في خطابه أمام المجلس المركزي قبل أيام، وحصل على تصفيق الحضور، مع أن أغلبيتهم، على الأقل، ليست على اطلاع على مجمل حيثيات هذه “الصفقة”، سوى ما سُرّب عن عرض أبو ديس كعاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة ( وهو سبب كافٍ للرفض).
التفسير الأول هو أن الرئيس، وقد يكون بعض ممن حوله، على علمٍ بحيثيات هذه “الصفقة”، عبر تمريرها له من قبل طرف ثالث، يقال بأنه السعودية، مع أن الأمر لم يُكشف رسمياً. ويبدو، إن صحّ ذلك، أن ما مُرّر غير مُرضٍ ولا يرقى للحدّ الأدنى المطلوب والمقبول فلسطينياً لإنجاز التسوية السياسية. وعلى هذا الأساس جرى تمرير الاجابة الفلسطينية الرافضة لتصل الادارة الأميركية عبر خطاب الرئيس الأخير. وطبعاً، فإن تقدير الرئيس لما يمكن قبوله أو رفضه بخصوص التسوية السياسية، وحتى قبل اطلاع الشعب الفلسطيني على متضمناتها، هو حكم راجح ومقبول، إذ لو كان اعتقد بأن ما اطّلع عليه من حيثيات يمكن أن يلبي المطلوب والمقبول فلسطينياً، لما كان أعلن هذا الرفض المسبق لـ “صفقة ” لم يتم الاعلان رسمياً عنها حتى الآن.
أما التفسير الثاني، فينتج من الأول ويأتي استناداً إليه، وهو الاعتقاد بأن الرفض الفلسطيني المسبق لتسوية أميركية غير مرضية لم تُطرح رسمياً وعلنياً بعد، سيكون كفيلاً بإحباطها وإغلاق الباب عليها من المهد، ما يستدعي، وهذا هو مغزى الرفض المسبق، أن على الادارة الأميركية أن تقوم بإدخال ما يتوجب على “صفقتها” من تعديلات لتصبح قابلة للتداول بعد ذلك. والافتراض هنا أن الجانب الفلسطيني لا زال يعتقد أنه هو بوابة ومنفذ التسوية السياسية في المنطقة، وأنه يمتلك قدرة التقرير بشأنها، وذلك لاستحواذه على حق الـﭬيتو فيما يتعلق بها.
من الضروري الانتباه إلى أن العلّة تكمن الآن في هذا الافتراض. فحتى مجيء ادارة ترامب كان الافتراض صحيحاً، والتزمت به الادارات الأميركية السابقة، حتى مع انحيازها لاسرائيل. كانت الرؤية حينها أن التسوية السياسية للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي هي التي تُشّكل المدخل الأساس والمنفذ الوحيد لتحقيق السلام بين الدول العربية، وحتى الاسلامية، مع اسرائيل. ولذلك كان تحصيل القبول الفلسطيني على أية تسوية هو الشرط الضروري لنفاذها. وبالتالي، انصّبت الجهود الأميركية والدولية خلال العقود الماضية على انجاح المفاوضات الثنائية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي. وبما أن أهداف االطرفين كانت، ولا تزال، متعارضة تماماً، لم تنجح كل الجهود السابقة في تحقيق الاختراق المطلوب.
يبدو جلياً أن هذا الأمر تغيّر الآن بسبب وجود ادارة أميركية جديدة من ناحية، والتحولات الجارية في الاقليم من ناحية أخرى، ما يعني ضرورة أخذ الأمر بالاعتبار كي يتم تقييم الخطوات الفلسطينية القادمة بشكل سليم يضمن نجاعتها. فما كان فعالاً في السابق لا يُعوَّل على استمرارية فاعليته الآن وفي المستقبل.
أعلن ترامب منذ البداية أن مبادرته للتسوية الشرق أوسطية ستقوم على مقاربة جديدة تختلف في أسسها عمّا استندت عليه سابقاتها. فعوضاً عن أن يكون المدخل لها ثنائياً، فلسطينياً- اسرائيلياً، يتم الانشغال بهما ومعهما لتحقيق تسوية تتوسع لاحقاً لتشمل الأقليم، سيكون هذا المدخل الآن اقليمياً ينطلق من ضرورة تحقيق سلام اقليمي بين دول عربية وازنة مع اسرائيل، ليُسهّل ويصل من خلال ذلك إلى تحقيق تسوية فلسطينية- اسرائيلية. باختصار، قلب ترامب معادلة التسوية، فعوضاً من أن يكون مدخلها فلسطينياً يفتح الباب لاحقاً على العرب، أصبح المدخل بالنسبة إليه عربياً كي يتم استخدامه وسيلةً للضغط على الفلسطينيين. بصيغة أخرى أكثر وضوحاً، أراد ترامب من خلال مقاربته الجديدة أن ينزع من الفلسطينيين حق الـﭬيتو على تحقيق  السلام الاقليمي، وذلك من خلال تغيير الأولويات. فهذا “السلام” أصبح مدخل “صفقته” عوضاً عن أن يكون، كما كان في السابق، نتيجة لها.
كان من المفروغ منه أن تغيير ترامب لمعادلة التسوية لم يكن ليُحقق له أية امكانية نجاح تُذكر لو كان الاقليم العربي لا يزال متماسكاً وصلبا في دعمه للجانب الفلسطيني، كما كان عليه الحال سابقاً، وخصوصاً أثناء وبعد اقرار المبادرة العربية. ولكن هذا الاقليم تفتت إلى دول تتصارع بينيّاً بشراسة، ومنها من يخوض حروباً أهلية ضارية على خلفيات طائفية أو مذهبية أو إثنية. وكان للدور الذي تلعبه إيران في ثنايا هذا الواقع الجديد، والتضخيم الإسرائيلي- الأميركي له وللمخاطر الناشئة عنه لدول الإقليم العربية، وخاصة الخليجية، الأثر الكبير في تغيير الأولويات والاصطفافات التحالفية لهذه الدول. فإسرائيل لم تعد يُنظر لها كعدو، وإنما كحليف موثوق ضد عدو جديد هو إيران. وبالتالي، أصبح تطبيع علاقات هذه الدول معها أمراً ليس فقط ممكناً، وإنما مرغوب به أيضاً. في خضم هذا الواقع المستجَد، والأليم للفلسطينيين، أصبح استمرار الإسناد العربي التقليدي للقضية الفلسطينية أمراً غير مضمون أو أكيد. ولذلك فإن الموقف الفلسطيني الجديد القاضي بعدم استمرار قبول الرعاية الأميركية لعملية التسوية السياسية، والرفض المسبق لـ”صفقة” ترامب المتوقعة، أصبح محدود، إن لم يكن معدوم، التأثير، في ظل وجود قبول ضمني، سيصبح بعد حينٍ علنياً، من عواصم عربية لهذا الدور وهذه “الصفقة”.
ماذا لو، وهذا أمر عالي الاحتمال، قام ترامب بتجاهل هذا الرفض الفلسطيني، وأعلن عن “الصفقة”، ووجد تجاوباً من قبل العواصم العربية المعنيّة، وتم البدء بإجراءات تطبيعية بينها وبين إسرائيل، بدون الالتفات للموقف الفلسطيني الرافض، والذي سيُعطى الخيار حينها، فإما الاشتراك مع الآخرين في العملية الدائرة، أو الانكفاء خارجها وتحمُّل مسؤولية وتبعات ذلك؟
على ماذا يُعّول الفلسطينيون لمنع انزلاق الوضع لمثل هذه الاحتمالية؟ إن كان التعويل هو على استمرار الانخراط في عملية التزلف المصطنع للمستويات الرسمية العربية، وتكثيف الإشادة بها، وتضخيم التوقع الايجابي لدورها “المضمون” في دعم الموقف الفلسطيني، فإن توالي الاشارات الوافدة والضغوط المنهمرة من تلك العواصم علينا، يُخرج هذا التعويل من حيّز تأكيد الحقائق، ويُدخله في مجال التمنيات. فالدول ترعى مصالحها بالأساس، ومصلحة دول عربية خليجية تتمحور الآن على صدّ ما بات يُشار له بـ “المدّ الإيراني”. أما إذا كان التعويل هو على وجود كوابح داخل هذه الدول، أي من قبل شعوبها، ستمنعها من تخطي الفلسطينيين والتوجه مباشرة إلى تسوية مع إسرائيل، فإن هذا التعويل مبالغ به بالتأكيد. ومجرد قراءة موضوعية لتأثير “الجماهير” العربية حالياً على مجرى سياسات بلادها الرسمية يثبت ذلك بصورة جلّية. إضافة إلى ذلك، كيف يُعوّل فلسطينيا على امكانية استنهاض هذه “الجماهير” لتعاكس توجهات المستويات الرسمية في بلادها ،في حين يتم فلسطينيا الاشادة بهذه المستويات بصورة مستمرة ؟!
يقودنا هذا  الواقع الأميركي-الإسرائيلي الهجومي، والمتردي عربياً، إلى السؤال المركزي: ما العمل، وكيف سبيل التصرف فلسطينياً؟
من نافل القول أن قبول ما سيأتي على أنه قدر لا انفكاك منه أمر مغلوط ومرفوض. ولكن، بالمقابل، فإن التعويل في غير موضعه هو أمر مُضّر ولن يجلب من نتائج إلا ما لا تُحمد عقباه. في هذه المرحلة الحرجة، لم يعد ممكناً أو مفيداً التعويل كثيراً على الآخرين. بل آن الأوان للعودة إلى الاعتماد على الذات والعمل على استعادة القدرة والامكانية لفرض الأجندة الفلسطينية التي تثبّت الحقوق الوطنية من خلال تعزيز الوجود والصمود في البلد من جهة، وتواجه بكل حزم وعلنية، بدون مهادنة ومجاملة، التوجهات في الاقليم التي من الممكن أن تُقايض بالقضية الفلسطينية، أو تُفرّط بحقوق الشعب الفلسطيني.
ولكن كيف يمكن لذلك أن يتحقق دون وجود الحدّ الأدنى من الجدّية لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية؟! إن الأداء الحالي لجميع الفرقاء على المستوى السياسي في الساحة الفلسطينية لا يمكن أن يوصف إلا بالمهزلة السريالية. كيف وإلا يمكن تفسير استمرار الانهماك في توليد الأعذار الواهية، وتفريخ المناكفات المفتعلة، لمنع المصالحة، إلا بترنّح مصالح نمت واستفادت من استمرار هذا الانقسام؟!
إن كان هناك جدّية في السعي لمواجهة الخطر المحدق بالقضية الوطنية، فإن أوّل المتطلبات اللازم حدوثها، والتعويل عليها، يكمن في الانهاء الفوري للانقسام. هذا تعويل على الذات، وليس على الآخرين، ويقع في خانة المقدور عليه، وليس المتمنى والمأمول به. إنه أمر في متناولنا، وتحت سيطرتنا، ولن نستطيع تحميل مسؤوليته إلا لأنفسنا.
إن لم نكن قادرين على فعل ما هو ضمن دائرة سيطرتنا، فكيف يمكن لنا أن نعوّل على ما هو، ومن هو، خارجها؟!
إن أقل ما يمكن أن يُقال في استمرار الانقسام في ظل ما نواجهه من تحديات جدّية هو أنه أمر مُعيبٌ وعجيب.