شقيقته تفتح صندوق الذكريات… الشهيد “بركة” رحل و”نوره” لم ينطفئ

IMG_20191111_233732_602

غزة_شرق الإعلامية

السكون يفترش المكان، السماء تتكحل باللون الأسود، تخفي عاصفة قادمة تغير على “بني سهيلا” شرق خان يونس، قبل أن يفسد صوت إسعاف على بعد كيلو متر من منزل “بركة” تفاصيل الهدوء التي كانت تشعر بها “إيمان”، فقررت تشغيل وضع “الطيران” على هاتفها المحمول تحدث نفسها: “لا أريد أن يفجع قلبي بأي خبر”، لكن صوت رنين الهاتف كان أسرع.

رجفت يداها بعد أن ارتج الهاتف “رجات” متعددة، بدأت الحديث قبل أن يخبرها المتصل: “الشيخ نور متصاوب”، كلمات زلزلت كل مشاعرها.. بسرعة زحف القلق إلى قلبها، وافتعل ضجيجًا أيقظ هدوءها، لم تلتزم بما طلبته أحاسيسها من صمت، معه انفجر بركان قلبها تريد الاطمئنان: “ايش بتحكي.. كيف وضعه؟”، فأسكن المتصل هذا القلق: “الشيخ الله يرحمه”، حين المكالمة كانت عقارب الساعة تحط رحالها عند التاسعة من مساء 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، بعدما وقع حدث أمني كبير على مستوى الصراع بين المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي.

دفتر ذكرياتٍ امتد لست سنوات، أعادت المحاضرة الجامعية د. إيمان، شقيقة الشهيد نور بركة، تقليب صفحاته من جديد، بدءًا من اللحظات الأخيرة له وحياته ومواقف عدة، وبينما هي تقلب الذكريات، كانت صحيفة “فلسطين” تحسن الاستماع، لتنقل ما باحت به شقيقة الشهيد في ذكرى استشهاده الأولى.

يوم عائلي

البداية، انسلت شمس الصباح، بدا كل شيء هادئًا بعد أن فردت أشعتها بحرية وطلاقة، الحادي عشر من نوفمبر أبى إلا أن يخلد هذا اليوم، في عائلة “بركة” كان الشيخ نور ابن 37 عامًا، يمضي يومًا عائليًّا سعيدًا في كنف أبنائه الستة، وزوجته ووالدته وشقيقته إيمان التي ترحل بصوتها إلى ذلك اليوم: “في اليوم الأخير تواجد نور لفترة طويلة من وقت الظهيرة حتى العصر، جلس مع أبنائه وزوجته، فكان في عامه الأخير مختلفًا تمامًا، فالجدية والحزم الذي يراه الآخرون منه خارج البيت كان مختلفًا تمامًا، فزاد لينه معنا أكثر”.

بعد لحظات أسرية بقيت في ذاكرة أطفاله الستة (وهم عبد الرحمن 12 عاما، وفاطمة 12 عاما، ورقية 11 عاما، وزينب 9 أعوام، وأسماء 6 أعوام، وعائشة ثلاثة أعوام)، حزم “الشيخ نور” كما يلقب، نفسه عازمًا المغادرة، لكن زوجته أرادت أن تطيل تلك المدة: “خليك.. والله متوانسين فيك”، استدار ممازحًا إياها: “خلص بكفيكم”، في تلك اللحظة كانت إيمان تحاضر بالجامعة، فطلبت والدة نور من ابنها أن يتصل هاتفيًّا بشقيقته المقربة إليه، فمازح والدته كذلك بصوت مصحوب بابتسامة فردت وجهه كأشعة الشمس هي بالأصل لم تغب عنه: “كلميها على الواتس أب.. انت مين قدك”.

مرت دقائق، وصلت إيمان (35 عامًا) التي تصغر نور بثلاثة أعوام البيت، وهي بالمناسبة تعيش مع والدتها في بيت مكون من طابقين، أما نور وإخوته فيعيشون في بيوت منفصلة متجاورة، ما زالت تلك التفاصيل تسكن حديثها بعد أن سكنت ذاكرتها: “صعد نور إلى الطابق العلوي، وجلس عندي فهو مقرب جدًّا مني، قدمت له الضيافة، وبدا شارد الذهن.

فسألته: “مالك وين سرحان؟”.
رد عليها بعد أن قطع سؤالها خلوته مع التفكير: “لا عادي جدًّا”.
بقي لغياب الشمس لحظات، لحظات ويأتي المساء، ويتوارى القرص الأحمر متخفيًا وراء الأفق، مع قرب صلاة المغرب، من على عتبات البيت يستأذن شقيقته الانصراف، لكن على طريقته الخاصة والمعتادة: “سلام يا آنطي”.

اجتماع عائلي لا تنساه إيمان قبل يومين، يومها جاء نور بعد انتهائه من صلاة الفجر وانتظار صلاة الشروق لوالدته، يمازح شقيقته بعدما تذوق طعامًا أعدته: “أمرنا إلى الله.. بعينا الله على الأكل”، وبعدما أنهت إيمان تجهيز طعام الإفطار نزلت مع شقيقها المرح، عند والدتيهما.

اللحظات الأخيرة

بدا صوتها كحبل تشده شحنات من الحنين بعد أن طرق الحزن قلبها دون استئذان: “يوم الأحد، خرج نور لصلاة المغرب فلم يكن هو الإمام لكن أمَّ الناس لتعويض غياب الإمام في مسجد “حمزة” في بني سهيلا، وأطال في دعاء القنوط في الركعة الثالثة، انتهت صلاة الفريضة وواصل الدعاء بمفرده”.
على عتبات المسجد اضطر أحد رفاقه الذي كان ينتظره لمهمة طارئة للانصراف، ومن ثم ذهب لصلاة العشاء بمسجد الشهيد “إسماعيل أبو شنب” في نفس المنطقة.

في طريق عودته اشترى نور بعض الأغراض وحليب أطفال، من متجر لبيع المواد الغذائية بالقرب من بيته، وأمضى نصف ساعة عنده، “بعدما وصل منزل أمه المطل على الطريق العام بالمنطقة، لاحظ أن مصابيح الإنارة مطفأة في غرفتي، اعتقد أنني نائمة فلم يصعد للجلوس معي والاطمئنان عليَّ وعلى أمه، على غرار كل صلاة، وظل واقفًا أمام البيت مع أحد أصدقائه، وأطفأ محرك سيارته”. تقول إيمان.

بينما كان نور على تلك الهيئة، جاءت حافلة صغيرة من نوع “فولكس” ووقفت قبالة منزله، نزل أفراد منها بداخل بقالة صغيرة، تتوقف إيمان في حديثها هنا: “لم يرتح أخي لوجودهم، شعر بأمر ما، فأرسل صديقه، كي يسأل عن هويتهم وماذا يريدون”.

عاد إليه ببعض المعلومات: “بقولوا انهم جايين من الوسطى وغزة لزيارة أناس هنا!”.
صمت برهة وأجاب صديقه: “كلامهم مش صحيح”.

ترجل من سيارته وذهب ليتفحص وثائقهم الشخصية، حاول من في الحافلة (قوة الاحتلال الخاصة) التمويه على نور بعدما أذن لهم بالانصراف بشراء أغراض من أكثر من بقالة، لكنهم كانوا تحت مرمى عينه يتابعهم بسيارته لحظة بلحظة، إلى أن أوقف الحافلة عند مسجد الشهيد إسماعيل أبو شنب، وحدثت التفاصيل المعروفة، بعدما شك بوجود أمر ما، حاول اقتياد الباص لموقع عسكري، قبل أن تباغته أربع رصاصات من كاتم صوت فاستشهد على الفور؛ وفق شقيقته.

صوتها بدا كجمرة أذابها الفراق، دغدغت الدموع مشاعرها وكأن الحدث الذي مر عليه عام وقع بالأمس: “امتشق أخي سلاحه الشخصي (مسدس) في ذلك اليوم، رغم أنه طيلة أسبوع لم يحمله، وبه أخذ صديقه الثأر الفوري واشتبك مع القوة الخاصة وقتل قائدها وأصاب آخر، واستشهد مع أخي الشهيد محمد القرا”.
أحداث دراماتيكية في بني سهيلا، طائرات حربية تابعة للاحتلال تواصل قصفها العنيف، تثير غبار القلق في قلب والدة نور، حتى خرجت عن صمتها..

– “إيمان اتصلي بنور.. الوضع مش طبيعي”.
ما زالت ابنتها على وقع الصدمة بعد الاتصال تحاول تمهيد الخبر على أمها.
أمام إلحاح الأم اضطرت إيمان التي علمت بما يجري عن طريق المتصل الذي أخبرها باستشهاد شقيقها، لمصارحة والدتها: “نور استشهد” وتولت مسؤولية إخبار شقيقاتها وزوجة نور بالخبر.

احتست جرعة من صمت، ذرفت دموعها قبل أن تواصل: “لم يكن الاستشهاد مفجعًا لنا، لأننا نتوقع ذلك في أي لحظة، فأخي كان نائب قائد كتيبة قسامية في خان يونس، لكن الظروف ووقت الاستشهاد كان صعبًا علينا”.

“رغم أن الحدث صعب، لكن بعدما عرفنا تفاصيله زاد فخرًا بنور لأننا عرفنا مكانته عند الله، وضحى بحياته لإنقاذ أرواح الآلاف بل إنه أنقذ المقاومة من خطر مخطط خطير، وأدركت أن الله نجاه من الموت في العدوان الأخير على غزة عام 2014 بعدما تعرضت ثلاثة منازل كان يوجد فيها للقصف بعد خروجه منها في كل مرة، حتى يصطفى لهذه اللحظة”.

سيرة ناصعة

عام 2002 أسر الاحتلال نور لأربعة أشهر إداريًّا في أثناء محاولته الخروج من معبر رفح لأداء مناسك العمرة، أصيب في التصدي لأحد اجتياحات الاحتلال في الأول من يونيو/ حزيران 2008 بقدميه وبقيت آثارها تلازمه، في عدوان الاحتلال على غزة بنفس العام دمرت طائرات الاحتلال الحربية منزله ومنازل أشقائه، وقبل استشهاده بشهرين ناقش رسالة الماجستير بعنوان “الإهمال في العمل الجهادي.. دراسة فقهية مقارنة”.

أدهش نور شقيقته فلم يتخلف أبدًا عن صلاة جماعة ولم تفته تكبيرة إحرام إلا إذا كان بأرض المعركة، يصوم أيام “السبت، والاثنين، والأربعاء، والخميس” من كل أسبوع، تقول: “نور لا يجاريه أحد، رغم أنني كنت أحاول مجاراته قبل تعييني محاضرة جامعية”.

أتم الشهيد حفظ القرآن الكريم، وحصل على إجازة السند الغيبي المتصل عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القراءات العشر عام 2016، لم تعرف عائلته بذلك إلا عندما جرى تكريمه.

ما زالت تبحر في حياة شقيقها: “صدقات عديدة أخرجها أخي بقيت سرًّا كذلك، يبدأ اعتكافه منذ بداية شهر رمضان ويعود للبيت ما بين الصلوات وفي العشر الأواخر يلتزم المسجد، كان يضع زجاجة ماء تحت رأسه حتى لا تكون وضعية مريحة للنوم، حتى لا يطيل نومه، يكتفي بالقليل من الطعام، له هيبة في البيت، والجميع يستشيره”