اعترافات مؤسس مركز هيرتسيليا ومستقبل كيان الاحتلال بقلم تحسين الحلبي

ربما يعد ما قاله البروفيسور أوريئيل رايخمان أحد أبرز مؤسسي مركز هيرتسيليا الإسرائيلي للدراسات الإقليمية والإستراتيجية ومؤسس جامعة جديدة تحمل اسمه في إسرائيل، شهادة مهمة حول الوضع الداخلي الإسرائيلي، فقد أجرى معه الجنرال المتقاعد عاموس غيلعاد، أحد المسؤولين في مركز هيرتسيليا والذي كان مديراً للشؤون السياسية في وزارة الدفاع، مقابلة على هامش مشاركة الإثنين في مؤتمر هيرتسيليا الذي اختار جامعة رايخمان لعقده فيها من 21 تشرين الثاني الماضي حتى 23 منه، ففي تلك المقابلة الخاصة بقسم الفيديو التابع لمركز هيرتسيليا باللغة العبرية يسأل غيلعاد: «كيف ترى القوة الذاتية لإسرائيل وحصانتها الداخلية في هذه الأوقات وما يجري ويبعث على القلق في الداخل»؟

ويجيب رايخمان: «حقاً هناك قلق ونحن نواجه وضعاً داخلياً صعباً جداً وحين أرى ما يحدث لا أستطيع البقاء صامتاً فالثغرات الكبيرة تزداد ولدينا مشاكل اقتصادية ومشكلة المفاوضات مع السلطة الفلسطينية ومشاكل في الأمن وهذه مشاكل تتعلق ببقاء الدولة».

ويعترف رايخمان بأن «مكونات المجتمع والدولة ليس لديهما رؤية مشتركة وفقدان هذا العامل المهم يجعلنا نسير نحو التفكك»، ودعا إلى تسليط الضوء على كل «عوامل الضعف هذه»، وذكر أن ما تشهده إسرائيل في داخلها الآن يذكر بما كان عليه الوضع أثناء الانتداب البريطاني حين كان المستوطنون يتجنبون في تنقلهم وعرباتهم السير في طرق متاخمة للقرى الفلسطينية خوفاً على حياتهم، ويقول إن المسافرين من الشمال إلى الجنوب صاروا يتجنبون المرور بقرى البدو الفلسطينيين وأن بعض الضباط في الجيش ذكروا له أنه: «اذا وقعت حرب على الجبهة الشمالية فإن وحدات وعربات الجيش سوف تعمل على تجنب المرور بمنطقة وادي عارة الذي يقيم فيه فلسطينيون في الأراضي المحتلة منذ عام 1948، وأن هناك فلسطينيين في تلك المناطق يقومون بحرق بيوت الإسرائيليين المجاورين لهم لكي يجبرونهم على الانتقال من تلك الأراضي.

يقر رايخمان بأن الحرب الأخيرة على قطاع غزة جعلت الفلسطينيين في داخل إسرائيل يشعرون بقوتهم وخاصة في «المدن المختلطة بالسكان من العرب واليهود»، ويذكر أن هناك سبع مدن مهمة في الكيان الإسرائيلي من هذا النوع يقيم فيها الفلسطينيون إلى جانب اليهود هي بموجب الإحصاءات الإسرائيلية الرسمية نفسها، مدينة عكا حيث يشكل الفلسطينيون فيها 31.5 بالمئة ومدينة اللد 30 بالمئة ومدينة الرملة 23 بالمئة ومدينة معالوت ترشيحا 21 بالمئة ومدينة الناصرة العليا 25 بالمئة ومدينة حيفا 11.5 بالمئة ومدينة يافا التي ضمت إلى تل أبيب 6 بالمئة، واستشهد رايخمان بما قام به الفلسطينيون في هذه المدن ضد الإسرائيليين في داخل وحول هذه المدن، أثناء آخر حرب على غزة.

اعترف رايخمان بطريقته بهزيمة المشروع الصهيوني حين استشهد بما ذكره هيرتزل قبل انعقاد المؤتمر الصهيوني للقادة الصهاينة حين قال هيرتزل إنه: «لا يقدم وعداً لليهود بجنة في تلك الأرض بل يكفي أن يتحقق لهم منع ملاحقتهم وايذائهم بسبب يهوديتهم»، ويعلق رايخمان على هذا القول بأن كل الفلسطينيين على استعداد لملاحقة وإيذاء المستوطنين أينما كانوا داخل تلك الأراضي واستذكر ما حصل قبل أسبوع حين أحرق الفلسطينيون سيارة أحد اليهود داخل الضفة الغربية بعد فرار صاحبها، واستشهد بما يجري ضد الإسرائيليين في يافا التي تحيط بها تل أبيب، والفلسطينيون فيها قلة قليلة، فماذا يمكن أن يحدث في مدينة مثل عكا والرملة وحيفا؟!

وحول الدول المجاورة يعترف رايخمان بأنها تشكل جبهات تعادي شعوبها إسرائيل وعلى استعداد لمقاتلة الإسرائيليين إذا تمكنوا، ويستشهد بوضع الإسرائيليين أنفسهم، فيشير في المقابلة نفسها إلى أن العنف الذي يستخدمه اليمين المتشدد في أراضي الضفة الغربية والداخل ضد العرب يتصاعد وأن هناك مجموعات منظمة لأعمال العنف وخارج إطار الدولة وسيادتها، ويحذر من الخطر الذي بدأ يلوح من طائفة السلفيين المتدينين اليهود الذين أصبحوا يشكلون في مناطق وجودهم ما يشبه الحكم الذاتي ويتساءل: «أين أصبحت سلطة وسيادة الدولة»؟ علماً أن هذه الطائفة من السلفيين، الذين يطلق عليهم الحريديم، يسمح لهم القانون بعدم الخدمة الإلزامية في الجيش وهم لا يعدون من القوى العاملة في الإنتاج ويتلقون مساعدات مالية دائمة بحسب عدد أفراد العائلة ولهم ما يزيد بمجموع أحزابهم على 15 مقعداً في الكنيست، ويشاركون في مساومات تشكيل الحكومة ويفرضون مصالح أفراد طائفتهم المالية والاستيطانية. وتشير دراسة نشرت في الموقع الإلكتروني لقناة «كان» الإسرائيلية في 27 حزيران الماضي إلى الخطر الديموغرافي الذي تشكله هذه الطائفة السلبية إضافة إلى الفلسطينيين داخل الكيان الإسرائيلي، وتستشهد بوجود 3 ملايين من الأفراد في سن العمل حتى عام 2050 سيكون منهم 36 بالمئة من الإسرائيليين غير السلفيين و38 بالمئة من السلفيين و26 بالمئة من الفلسطينيين أي إن 60 بالمئة من السكان لن يكونوا من الإسرائيليين الذين يخدمون في الجيش ولن يكونوا من المنتجين لمصلحة الدولة ومصانع البلاد، فأين التوازن المطلوب طالما أن 60 بالمئة يرفضون الدفاع عن الدولة؟ وماذا سيكون عدد أفراد الجيش في هذا الوضع؟ والسؤال الذي يطرح نفسه أمام هذا الوضع الداخلي ماذا بقي للمستوطنين من مسوغ لاستمرار وجودهم؟ وأين الهوية اليهودية الصهيونية طالما أن السلفيين ليسوا من مؤيدي ودعاة الصهيونية؟

لا نبالغ إذا استنتجنا أن المقاومة المستمرة هي التي فرضت على هذا الكيان كل أزماته وهي التي ستفرض استعادة الشعب الفلسطيني والأمة العربية لحقوقهم.