في الذكرى الـ 34 للإنتفاضة شعبنا باقٍ على خياراته بقلم رامز مصطفى

في الثامن من كانون الأول العام 1987 ، كانت فلسطين ، على موعد مع مرحلة جديدة من الصراع ولأول مرة منذ قيام الكيان الصهيوني العام 1948 ، حيث انتقل الكفاح الوطني الفلسطيني إلى الداخل الفلسطيني بعد أن كان خارجه .
واعتبرت هذه المرحلة صفحة جديدة من صفحات العز الفلسطيني التي أعادت لقضية الشعب الفلسطيني الاعتبار والمكانة التي تستحقها ، بعد أن كاد العالم نسيانها بسبب ما أصاب منظمة التحرير الفلسطينية وفصائل الثورة بعد الخروج القسري لقواتها من بيروت ننتيجة الاجتياح الصهيوني للبنان العام 1982 ، إلى دول المنافي البعيدة عن أرض الوطن والصراع ، في تشظٍ غير مسبوق لهذه القوات .
 وما خلّفه هذا الخروج من حالة إحباط ويأس دفع بالكثيرين من النخب ، وكذلك الفصائل ، أن تفكر جدياً في أن مرحلة النضال الكفاحي للشعب الفلسطيني قد وصلت إلى مأزق خطير قد أصاب الحركة الوطنية الفلسطينية في الشلل والعقم عن إنتاج نفسه من جديد . إنّ هذا التحول الجديد الذي جاء في سياق النضال الوطني الفلسطيني ، تمثل في الانتفاضة المجيدة التي تفجرت على خلفية سقوط عدد من الشهداء من أبناء شعبنا في جباليا ، حيث يعملون في أسدود ، وقد قتلهم مستوطن بالعمد دهساً ، فأعطى الحركة الوطنية الفلسطينية مداً جديداً من النضال .
 تدحرجت الانتفاضة وتراكم فعلها النضالي فاستحقت أن يطلق عليها ثورة أطفال الحجارة ، والثورة المعجزة . والتي وإن كانت حادثة دهس العمال الفلسطينيين هي السبب المباشر لهذه الثورة ، ولكن هذه الانتفاضة جاءت كنتيجة طبيعية لحالة الغليان كما طنجرة الضغط لما وصلت إليه الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة بسبب سياسات الاحتلال الصهيوني وممارساته التعسفية والعنصرية بحق أبناء شعبنا الفلسطيني .
أكدت انتفاضة شعبنا على الأصالة الثورية لهذا الشعب السابق لقياداته في البذل والعطاء والتجذر في خياراته الوطنية والكفاحية ، وهو الذي دفع ما يزيد على الألف ومائة شهيد ، وعشرات الآلاف من الجرحى والأسرى ، فضلاً عن تدمير ونسف ما يقارب الألف ومائتي منزل ، واقتلاع نحو 135 ألف شجرة من الحقول الفلسطينية ، من أجل حريته واستقلاله وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس .
ولكن ومن المؤسف ، بل والمخجل ، وبعد مرور ست سنوات على هذه الانتفاضة العظيمة التي وقف العالم بإعجاب أمامها ، جاءت اتفاقات أوسلو المدانة والمرفوضة كخطوة لا تنسجم مع حجم تضحيات هذه الانتفاضة الثورة ، وتطلعات أبنائها وتضحياتهم ، فبدل أن تكون ثمرات هذه الانتفاضة المزيد من الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية والتحرر من نير الاحتلال وممارساته العدوانية ، كانت هذه الاتفاقات المذلة كما الخنجر في ظهر الانتفاضة ، لأنها جاءت لتكرس الاعتراف بالكيان الصهيوني وسيادته على 78% من أرض فلسطين التاريخية ، على حساب الثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني ، وفي مقدمها حق العودة ، في سياق مكشوف الأهداف من أجل تقويض التطلع الفلسطيني ، لصالح يهودية هذا الكيان حسب ما يُخطط له بهدف الوصول للاعتراف بما يسمى ب” يهودية الدولة ” .
إن الشعب الفلسطيني وهو يحيي ذكرى انتفاضته أل 34 ورغم المحاولات الرامية إلى طمس هويته الوطنية وتذويبها من خلال التهويد والاستيطان في الضفة والقدس والنقب والجليل وحصار قطاع غزة ، لهوّ قادر على إظهار وإبراز المزيد من مشاهد الصمود والاستمرار في المقاومة ، وبإرادة لا تلين .
شعبنا وبفضل تضحيات أبنائه ومهما طال الزمن وهذا الصراع ، لا يمكن إلاّ أن يحقق انتصاره على المشروع الصهيوني الذي يبذل قادته الجهود ومن خلفهم الإدارة الأميركية التي تحمي كيانهم الغاصب ، بهدف حسم الصراع لصالحهم على أرض فلسطين ، مستفيدين مما تشهده المنطقة من أحداث كبرى ، لذلك هو أولاً ، يُسارع إلى حسم المعركة بالمعنى الديمغرافي والتاريخي والثقافي والديني وتحديداً في مدينة القدس ، من خلال المُسارعة في تهويدها بأحيائها ومسجدها الأقصى وسائر المقدسات . وثانياً ، تكثيف الاستيطان ومصادرة الأراضي ، وتقطيع وتكريس الطرق الالتفافية على المدن والقرى الفلسطينية المحتلة ، في دلالة واضحة على تطبيق خطة الضم . وثالثاً ، تكثيف خطوات التطبيع مع أوسع مروحة من النظام الرجعي العربي . شعبنا اليوم وبعد 34 عاماً على انتفاضة الحجارة ، مصمم في التأكيد على خياراته في المقاومة القادرة وحدها على حماية الثوابت الوطنية واستعادة الحقوق التاريخية الثابتة والمشروعة على أرض فلسطين كل فلسطين ، لأن طريق المفاوضات العبثية لن توصلنا إلى شيء سوى إلى مزيدٍ من التفريط والتنازلات على حساب هذه الثوابت وهذه الحقوق .